الشيخ محمد علي طه الدرة

500

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وفريق باع نفسه للحقّ ، يبتغي به وجه اللّه ، ورضاه ، ولا يرجو أحدا سواه . ولمّا كان لا بدّ للتنازع بين الخير والشر ، ولا بدّ للحقّ من سيف مصلت إلى جانبه ؛ لذا شرع اللّه للمؤمنين أن يحملوا السّيف مناضلين ، وشرع الجهاد دفعا للعدوان ، وردعا للظّلم ، والطغيان . صفوة التفاسير . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ : فرض عليكم الجهاد في سبيل اللّه . قال عمر بن أبي ربيعة : [ الخفيف ] كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جرّ الذّيول وقد ذكرت لك فيما مضى : أنّ اللّه جلّت قدرته لم يأذن للمسلمين بالقتال قبل الهجرة ، فلمّا هاجر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون إلى المدينة ؛ أذن لهم بالجهاد باللّسان ، والسنان . والجهاد في بدء الإسلام كان فرض عين ، فلمّا عزّ الإسلام ، وانتشرت دعوته ؛ صار فرض كفاية ، إذا قام به البعض ؛ سقط عن الباقين ، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام ، كما في أيّامنا هذه ، حيث احتل اليهود اللّؤماء أراضينا ، فهو فرض عين على كل قادر على حمل السلاح . وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي : كره في الطّباع البشرية . قال ابن عرفة : الكره - بضم الكاف - : المشقة ، وبالفتح : ما أكرهت عليه . هذا هو الاختيار ، ويجوز الضم في معنى الفتح ، فيكونان لغتين ، وإنما كان الجهاد كرها ؛ لأن فيه إخراج المال ، ومفارقة الوطن ، والأهل ، والتعرض بالجسد للشّجاج ، والجراح ، وقطع الأطراف ، وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض اللّه تعالى . هذا ؛ و كُرْهٌ مصدر وضع موضع اسم المفعول : « مكروه » للمبالغة . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ : ( عَسى ) من اللّه واجبة في جميع القرآن ، والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقّة ؛ وهو خير لكم في أنّكم تغلبون ، وتظفرون ، وتغنون ، وتؤجرون ، ومن مات ؛ مات شهيدا . وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا الدّعة ، وترك القتال ، وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ في أنّكم تغلبون ، وتذلّون ، ويذهب عزّكم ، وتضعف شوكتكم . هذا ؛ وبين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمّى بالمقابلة ، فقد قابل بين الكراهية ، والحب ، وبين الخير ، والشر . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي : اللّه أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم ، وآخرتكم ، فبادروا إلى ما يأمركم به . وفي هذه الجملة طباق السّلب . هذا ؛ وإن النفس تميل إلى الشر بسبب ميلها إلى الدّعة ، والراحة ، وإلى الشهوات الموجبة لهلاكها ، وتنفر من الخير الّذي يتسبّب عن التكاليف الإلهية الموجبة لسعادتها ، وإن كان في ظاهرها مشقة ، وجهد ، وعناء ، فالآية الكريمة تحثّ على الجهاد ، فلعلّ لكم فيه وإن كرهتموه خيرا ؛ لأن فيه إمّا الظفر ، والغنيمة ، وحسن السّمعة ، والثناء من الناس ، أو الشهادة ، والأجر ؛ الذي أعدّه اللّه للمجاهدين ؛ الذين يبذلون أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، مع أن في تركه شرّا ؛ لأن فيه الذل ، والفقر ، والحرمان من الأجر . والمحروم من حرم الأجر ، والثواب .